مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )

37

محمد ( ص ) في مكة

وحياة محمد صلّى اللّه عليه وسلم - وهو ما سنتناول جانبا منها في هذه الفقرة - تؤكد ذلك . فعلى سبيل المثال : أتظل قيم الانسان ومفاهيمه كما هي بعد تغير أوضاعه المادية ، أم أن هذه الأوضاع المادية أو الاجتماعية الجديدة تنسف كل ما مضى في لمحة واحدة ؟ بمعنى هل احتفظ أهل مكة - وهم بدو في الأساس - لكنهم استقروا بعد ذلك ، بقيمهم الأولى أم حوروها أو تحورت معهم ؟ اننا نفهم من الفصل السادس أنهم ظلوا محتفظين بمبدأ صحراوى - كان غير مضر كثيرا في الصحراء - وهو : « احتفظ بما يستطيع سلاحك الاحتفاظ به » . كان هذا مقبولا في الصحراء الواسعة ، وكان وضع اليد على مناطق المراعى يضمن لمن يفعل ذلك طعاما لقطعانه ، وكان هذا أمرا مطلوبا إلى حد ما . . لكنه عندما يطبق في مجتمع مستقر تضيع أراضي الدولة ، ويصبح الأمن مجرد قشرة تنطوى على الحقد والضغائن ، بل وتصبح الاضطرابات والمناوشات أفضل من مثل هذا الأمن . وقيمة الكرم في الصحراء ليست فضيلة فحسب وانما هي أمر ضروري لاستمرار الحياة ، وقد مسخ أهل مكة هذه القيامة فأصبحت مجرد مظاهر ، والتماسك الأسرى أو القبلي مطلوب في الصحراء ، لكن المصالح المالية طغت عليه في مكة ، فأصبح مجرد شكل خال من المضمون ، فأنا لا أنفعل دفاعا عن قريبى أو ابن قبيلتى الا إزاء القبائل الأخرى ، أما بيني وبينه فاننى أسومه سوء العذاب . . الخ . فعندما يستقر البدو لا يتحولون إلى حضر ببساطة وبمجرد استقرارهم ، وعندما يهاجر الفلاح إلى المدينة لا يصبح مدنيا هكذا بمجرد انتقاله ، وعندما يتحرر العبد أو المملوك ، لا يصبح حرا - هكذا وببساطة - بمجرد عتقه . قضايا على هذه الشاكلة يسوقها وات في مباحثه . لكن ، أمعنى هذا أن كل المفردات التاريخية التي أوردها وات صحيحة ؟ هذا ما لا يمكن الجزم به ، وهناك معلومات نميل إلى أنها غير صحيحة ، وقد علق الأخ حسين على بعض ما أورده وات في المقدمة وفي الفصل الأول ، وأقررته على غالبها ، وقمت أنا بالتعليق على بقية فصول